رحلتي إلى سويسرا: يومياتي في عشر مدن لا تنسى
ظللت سنوات أحلم بزيارة سويسرا، وأخيراً تحقق الحلم في رحلة دامت ثلاثة أسابيع كاملة قطعتُ فيها البلاد من شمالها إلى جنوبها.
في هذه السطور أحكي لكم تجربتي كما عشتها بالتفصيل، مدينة بمدينة، بكل ما رأيته وما أنفقته وما تعلمته على الطريق.
شاهد في الفيديو أعلاه أبرز مشاهد هذه الرحلة قبل أن تقرأ تفاصيلها
كنت كلما رأيت صورة لجبال سويسرا المغطاة بالثلوج وبحيراتها الزرقاء قلت في نفسي إنني لا بد أن أرى هذا بعينيّ يوماً ما.
وأخيراً ركبت الطائرة، وقضيت ثلاثة أسابيع أتنقل بين عشر مدن، من المدن العالية في قلب الجبال إلى البلدات الهادئة على ضفاف البحيرات.
سأكون صادقاً معكم منذ البداية، فسويسرا ليست وجهة رخيصة، لكنها تستحق كل دولار يُنفق فيها.
وقد حرصت على أن أذكر لكم الأرقام كما هي حتى تخططوا لرحلتكم وأنتم على بيّنة، وأن أقدم لكم نصائح عملية جمعتها من تجربتي الشخصية.
فلنبدأ الحكاية من حيث بدأت، من مدينة زيورخ.
زيورخ.. بوابة الدخول وبداية الرحلة
مدة الإقامة: ثلاثة أيام
وصلت إلى سويسرا عبر مطار زيورخ، وهو أكبر مطارات سويسرا وأكثرها ازدحاماً.
ومن المطار ركبت القطار إلى وسط المدينة، فلم تستغرق الرحلة أكثر من عشر دقائق.
وكان هذا أول ما أدهشني في سويسرا، شبكة قطارات منظمة ودقيقة تصل إلى كل مكان، وقد قضيت في زيورخ ثلاثة أيام كانت بداية مثالية لأعتاد إيقاع الحياة هناك.
بدأت أول أيامي بالسير في شارع بانهوفشتراسه، وهو الشارع الرئيسي للتسوق في زيورخ، ويمتد من محطة القطار المركزية حتى ضفة البحيرة.
على جانبيه تصطف متاجر الساعات السويسرية الفاخرة ومحلات الشوكولاتة والعلامات العالمية الكبرى.
لم أشترِ ساعة بالطبع فأسعارها تبدأ من آلاف الدولارات، لكنني استمتعت بمجرد التطلع إلى الواجهات اللامعة، واشتريت بعض ألواح الشوكولاتة السويسرية الأصلية لأهديها لأهلي عند العودة.
ثم انتقلت إلى البلدة القديمة بأزقتها العتيقة ومبانيها الملونة على ضفتي نهر ليمات.
صعدت إلى تلة ليندنهوف، وهي مكان مرتفع وهادئ تحت ظلال الأشجار يطل على سطوح المدينة والنهر.
جلست هناك دقائق أستمتع بالمنظر، وقد كان مجانياً تماماً، وهذه أول نصيحة أقدمها لكم، فأجمل المناظر في زيورخ لا تكلف شيئاً.
في اليوم الثاني نزلت إلى بحيرة زيورخ، وركبت أحد القوارب التي تجوب البحيرة.
كانت المياه صافية تنعكس عليها الجبال البعيدة، ومرّت بنا القرى الصغيرة على الضفاف.
استغرقت الجولة القصيرة نحو ساعة، أما الجولة الطويلة فتمتد لساعات، وإن كنتم تحملون بطاقة السفر السويسرية فستكون هذه الرحلة مشمولة دون تكلفة إضافية، وسأشرح هذه البطاقة في نهاية الحديث.
وفي المساء ركبت القطار إلى جبل أوتليبرغ المطل على زيورخ، ومن قمته شاهدت المدينة كلها والبحيرة الممتدة والجبال في الأفق.
كان الجو لطيفاً، نحو اثنتين وعشرين درجة مئوية، والنسيم عليلاً.
ومن أجمل ما فعلته في زيورخ زيارتي لبيت ليندت للشوكولاتة في ضاحية كيلشبرغ القريبة.
هناك نافورة شوكولاتة ضخمة تُعدّ الأطول في العالم، وقاعات تشرح رحلة صناعة الشوكولاتة من حبة الكاكاو حتى اللوح الجاهز.
هذا المكان متعة حقيقية للأطفال والكبار معاً، وفي نهايته متجر واسع ومنطقة تذوق مجانية، وسعر التذكرة كان نحو خمسة عشر دولاراً للبالغ.
أما عن الطعام في زيورخ فقد لاحظت أن الأسعار مرتفعة مقارنة بمعظم دول العالم.
وجبة بسيطة في مطعم متوسط كلفتني بين خمسة وعشرين وأربعين دولاراً.
لذلك كنت كثيراً ما أشتري طعامي من متاجر مثل ميغروس وكوب، حيث تجد ساندويتشات وسلطات وفواكه بأسعار معقولة، ووفرت بذلك مبلغاً كبيراً طوال الرحلة.

لوسيرن.. لؤلؤة وسط سويسرا
مدة الإقامة: يومان
من زيورخ ركبت القطار إلى لوسيرن، ولم تستغرق الرحلة سوى نحو خمس وأربعين دقيقة.
ولوسيرن مدينة صغيرة ساحرة تقع على ضفاف بحيرة تحمل اسمها، وتحيط بها الجبال من كل اتجاه.
قضيت فيها يومين، وتمنيت لو بقيت أكثر.
أول ما قصدته هو جسر الكنيسة الخشبي، وهو أشهر معالم لوسيرن وأقدم جسر خشبي مغطى في أوروبا.
يمتد الجسر فوق النهر، وفي منتصفه برج مائي حجري قديم، وتتدلى من سقفه أصص الزهور الملونة.
سرت عليه ببطء وأنا أتفرّس تفاصيله، وقد كان مزدحماً بالسياح لكن المنظر يستحق كل دقيقة.
ثم زرت نصب الأسد المحتضر، وهو أسد ضخم منحوت في صخر الجبل ليخلّد ذكرى جنود سويسريين.
يبدو الأسد وكأنه ينام نوماً أبدياً، ووقفت أمامه طويلاً، فهو من أكثر المنحوتات تأثيراً التي رأيتها في حياتي، والدخول إليه مجاني.

تجولت بعدها في البلدة القديمة حيث الساحات المفتوحة والمنازل ذات الواجهات المرسومة بالألوان.
جلست في إحدى الساحات أحتسي القهوة وأراقب الناس، وكان كوب القهوة بنحو خمسة دولارات.
خصصت اليوم الثاني للجبال والبحيرة، فركبت قارباً عبر بحيرة لوسيرن إلى سفح جبل بيلاتوس.
ثم صعدت إلى قمة الجبل بالقطار المسنن الأكثر انحداراً في العالم، وعدت بالتلفريك في رحلة دائرية لا تُنسى.
من القمة التي تعلو أكثر من ألفي متر بدت البحيرة كلوحة زرقاء صغيرة في الأسفل، وكانت قمم الجبال من حولي مكسوة ببقايا الثلج رغم أنني زرتها في الصيف.
كان الجو على القمة بارداً، نحو ثماني درجات مئوية، بينما كانت المدينة في الأسفل دافئة.
لذلك نصيحتي أن تحملوا معكم سترة دائماً عند صعود الجبال، أما الرحلة الدائرية الكاملة فقد كلفتني نحو سبعين دولاراً مع خصم بطاقة السفر.

إنترلاكن.. القلب النابض للجبال
مدة الإقامة: ثلاثة أيام
انتقلت من لوسيرن إلى إنترلاكن بقطار سياحي يمر عبر ممر جبلي يُسمى برونيغ، واستغرقت الرحلة نحو ساعتين من أجمل ساعات سفري.
كان القطار يمر بالبحيرات والشلالات والمروج الخضراء التي ترعى فيها الأبقار بأجراسها.
إنترلاكن تقع بين بحيرتين، بحيرة ثون وبحيرة برينز، ومن هنا جاء اسمها الذي يعني ما بين البحيرتين، وقد جعلت منها قاعدتي لثلاثة أيام أستكشف منها أعلى جبال سويسرا.
في وسط إنترلاكن مرج أخضر واسع يُسمى هوهماته، وهو مساحة مفتوحة جميلة محاطة بالفنادق والمقاهي.
جلست على عشبه أراقب الطائرات الشراعية وهي تهبط من أعلى الجبال حاملةً السياح، وكان منظرها في السماء أخّاذاً.
صعدت بالقطار المائل إلى قمة هاردر كولم المطلة على المدينة.
هناك منصة مشهورة تُسمى جسر البحيرتين، تقف عليها فتطل على إنترلاكن والبحيرتين معاً من علٍ، وكان المنظر من الأعلى يستحق كل دقيقة قضيتها في الصعود.
أما تجربة العمر فكانت رحلتي إلى يونغفراويوخ التي تُلقّب بسقف أوروبا.
ركبت سلسلة من القطارات الجبلية صعدت بي تدريجياً حتى وصلت إلى أعلى محطة قطار في أوروبا، على ارتفاع يتجاوز ثلاثة آلاف وأربعمئة متر.
هناك، وفي قلب الصيف، كان كل شيء من حولي أبيض من الثلج والجليد.
زرت قصر الجليد المنحوت داخل النهر الجليدي، وخرجت إلى منصة شاهدت منها نهر أليتش الجليدي، أطول نهر جليدي في جبال الألب.
كان الهواء رقيقاً بسبب الارتفاع، والبرودة قارسة تحت الصفر، لكن المشهد كان من عالم آخر.
هذه الرحلة هي الأغلى في سويسرا، فقد كلفتني تذكرتها نحو مئتي دولار حتى بعد الخصم، لكنني لا أندم على دولار واحد منها.

في يوم آخر زرت وادي لاوتربرونن القريب، وهو وادٍ تحيط به الجبال العمودية وتنحدر منه عشرات الشلالات.
أشهرها شلال شتاوباخ المتدفق من حافة جرف شاهق، وشلال تروملباخ الذي ينساب داخل الجبل نفسه وتصعد إليه بمصعد في قلب الصخر.
كان صوت المياه المتدفقة يملأ المكان، والوادي بأكمله يشبه لوحة رسمها فنان.
وفي المساء ركبت قارباً على بحيرة برينز ذات المياه الفيروزية الصافية، وهي من أصفى البحيرات التي رأيتها على الإطلاق.
إنترلاكن مثالية للعائلات، ففيها الأنشطة الهادئة والمتعة معاً، والأطفال يستمتعون بركوب القوارب والقطارات الجبلية والمروج المفتوحة.
أما الإقامة في إنترلاكن فكانت مرتفعة بحكم أنها مدينة سياحية جبلية.
دفعت في فندق متوسط نحو مئتي دولار في الليلة، ووجدت خيارات أرخص في النُزل تبدأ من نحو مئة دولار.

جرندلوالد.. القرية الجبلية الساحرة
مدة الإقامة: يومان
من إنترلاكن ركبت القطار نحو خمس وثلاثين دقيقة إلى قرية جرندلوالد.
وهي قرية جبلية صغيرة تقع تحت جدار جبل أيغر الشهير، وتنتشر فيها البيوت الخشبية التقليدية وسط مروج خضراء تتدحرج على سفوح الجبال.
قضيت فيها يومين، وكانت من أجمل ما رأيت في سويسرا كلها.
صعدت بالتلفريك إلى قمة فيرست المطلة على القرية.
هناك ممر معلّق يُسمى ممر القمة، يلتف حول حافة الجبل ويمتد في الهواء فوق الوادي، والوقوف على طرفه يخطف الأنفاس.
ثم مشيت من فيرست إلى بحيرة باخالب، وهي بحيرة جبلية صغيرة تنعكس على سطحها قمم الجبال المغطاة بالثلج، ولم أرَ منظراً أصفى من انعكاس الجبال على تلك المياه الساكنة.

في جرندلوالد أنشطة جبلية كثيرة، مثل العربات الجبلية التي تنحدر بك على مسار طويل، والانزلاق المعلّق على حبل فوق الوادي.
جربت العربة الجبلية وكانت تجربة مليئة بالمرح والضحك.
وفي القرية نفسها سرت بين البيوت الخشبية، وسمعت أجراس الأبقار من بعيد، وشممت رائحة العشب والهواء النقي.
ومن جرندلوالد ركبت تلفريك أيغر إكسبريس الحديث، الذي يصعد بسرعة نحو سفح جبل أيغر ويربط القرية بطريق يونغفراويوخ.
كان الجو في القرية لطيفاً نهاراً، نحو عشرين درجة مئوية، لكنه يبرد كثيراً في المساء، فالليالي الجبلية باردة حتى في الصيف.
برن.. العاصمة الهادئة ذات الطابع العتيق
مدة الإقامة: يومان
من جرندلوالد عدت إلى إنترلاكن ومنها أكملت إلى برن، عاصمة سويسرا، في رحلة استغرقت نحو ساعة ونصف الساعة.
برن مدينة هادئة ذات طابع عتيق، تلتف حولها مياه نهر آره الخضراء من ثلاث جهات.
بلدتها القديمة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، وقضيت فيها يومين هادئين ممتعين.
أول ما لفت نظري في برن أروقتها المسقوفة التي تمتد على طول شوارع البلدة القديمة لأكثر من ستة كيلومترات.
هذه الأروقة تجعلك تتسوق وتتجول تحت سقف يحميك من المطر والشمس معاً، وعلى جانبيها المتاجر والمقاهي.
سرت تحتها ساعات، وقد أحببت طابعها العتيق وحجارتها التي حفظت شكلها منذ قرون.
في قلب البلدة القديمة برج الساعة الفلكية المسمى تسيتغلوغه.
وقفت أمامه قبيل تمام الساعة لأشاهد التماثيل المتحركة التي تظهر مع كل ساعة، وهو عرض صغير لطيف يتجمع حوله السياح.

ثم مشيت إلى حديقة الدببة على ضفة نهر آره، حيث تعيش الدببة في مساحة مفتوحة على المنحدر المطل على النهر.
وقفت أراقب الدببة وهي تتجول وتسبح في الماء، وهذا المكان مفتوح للجميع دون رسوم.
نهر آره نفسه كان مدهشاً بلونه الأخضر الفيروزي، ورأيت بعض أهل المدينة يسبحون في تياره الهادئ في يوم صيفي حار.
صعدت إلى حديقة الورود المطلة على المدينة، ومنها التقطت أجمل صورة بانورامية للبلدة القديمة وسطوحها الحمراء ونهرها الملتف حولها.
وفي ساحة البرلمان الفيدرالي شاهدت نوافير الماء التي تنبثق من أرض الساحة، وكان الأطفال يلعبون بين خيوطها بسعادة.
ومن الطريف أن العالم الشهير أينشتاين عاش في برن وكتب فيها بعض أبحاثه، وبيته الذي سكنه أصبح اليوم متحفاً صغيراً يستطيع السياح زيارته.
بازل.. مدينة النهر عند ملتقى الحدود
مدة الإقامة: يومان
من برن أكملت إلى بازل في رحلة قصيرة بالقطار استغرقت نحو ساعة.
بازل مدينة تقع في أقصى شمال سويسرا على نهر الراين، عند نقطة تلتقي فيها حدود سويسرا مع فرنسا وألمانيا.
قضيت فيها يومين، ووجدتها مدينة مختلفة الطابع عن بقية المدن التي زرتها.
في وسط البلدة القديمة تقع ساحة السوق، وفيها مبنى البلدية الأحمر اللافت بلونه القرمزي الزاهي ونقوشه الذهبية.
وقفت أنظر إلى واجهته الفريدة، فهو من أجمل المباني التي رأيتها في سويسرا.
نهر الراين هو روح بازل.
سرت على ضفافه الطويلة، وركبت إحدى العبّارات الصغيرة التي تعبر النهر معتمدةً على قوة تياره دون محرك، وهي تجربة بسيطة وممتعة.
وفي الصيف يسبح أهل المدينة في النهر ويتركون التيار يحملهم برفق على طول الضفة، وهو مشهد يومي اعتيادي في بازل.

عبرت الجسر الأوسط القديم الذي يربط ضفتي النهر، ومنه شاهدت غروب الشمس على المياه.
ثم زرت نافورة تنغلي، وهي مجموعة من المنحوتات المعدنية المتحركة التي ترش الماء بأشكال طريفة وسط ساحة عامة، وقد استمتعت بمراقبتها كثيراً.
بازل مدينة المتاحف بامتياز، وفيها عدد كبير منها يهتم بالفنون.
لكن ما أسعد قلبي حقاً كان حديقة حيوان بازل، وهي من أقدم حدائق الحيوان في سويسرا وأكثرها تنظيماً.
قضيت فيها ساعات ممتعة، وهي خيار رائع للعائلات التي تصطحب أطفالها.
جنيف.. مدينة البحيرة والنافورة العملاقة
مدة الإقامة: يومان
من بازل ركبت القطار جنوباً إلى جنيف في رحلة استغرقت نحو ثلاث ساعات.
جنيف مدينة عالمية تقع على الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة ليمان الواسعة، وفيها مقار كثير من المنظمات الدولية.
قضيت فيها يومين مليئين بالمشاهد المتنوعة.
أشهر معالم جنيف هو نافورة الماء العملاقة المسماة جيت دو، التي تقذف عمودها المائي في الهواء إلى ارتفاع يقارب مئة وأربعين متراً وسط البحيرة.
تُرى هذه النافورة من كل مكان في المدينة، وعند اقترابي منها على الرصيف تطاير عليّ رذاذ الماء المنعش.
سرت على رصيف البحيرة الطويل وسط الحدائق المنسقة وأشجار الزهور.
وزرت الساعة الزهرية الشهيرة في الحديقة الإنجليزية، وهي ساعة حقيقية تعمل وعقاربها وأرقامها مصنوعة من آلاف الزهور الملونة التي تتغير مع الفصول.
صعدت إلى البلدة القديمة، وهي أعلى بلدة قديمة في سويسرا، وتجولت في أزقتها الضيقة وساحاتها الصغيرة.
جلست في ساحة بور دو فور العتيقة حول نافورتها القديمة، وهي من أقدم ساحات جنيف.
ركبت قارباً صغيراً يعبر البحيرة من ضفة إلى أخرى، وهي وسيلة تنقل لطيفة يستخدمها الأهالي أنفسهم.
ومن الماء بدت المدينة بمبانيها الأنيقة وجبالها البعيدة في منظر بديع.

أمام مقر الأمم المتحدة وقفت أمام نحت الكرسي المكسور الضخم، وهو كرسي خشبي عملاق بثلاث أرجل يحمل رسالة إنسانية.
وفي حديقة الباستيون لعبت الشطرنج على رقعة عملاقة مرسومة على الأرض بقطع بحجم الأطفال، وكانت تجربة مرحة شاركني فيها بعض السياح.
جنيف هي عاصمة صناعة الساعات في العالم، وشوارعها الراقية مليئة بمتاجر الساعات والمجوهرات.
وإن كنت من هواة الساعات الفاخرة فهذه مدينتك، أما أنا فاكتفيت بالنظر إليها وتصويرها.
فيفي.. هدوء الريفييرا السويسرية
مدة الإقامة: يومان
من جنيف ركبت القطار على طول بحيرة ليمان إلى مدينة فيفي الصغيرة، في رحلة استغرقت نحو خمسين دقيقة.
فيفي بلدة ساحلية هادئة على البحيرة، تنتمي إلى ما يُعرف بالريفييرا السويسرية، وتحيط بها التلال المدرّجة الخضراء.
قضيت فيها يومين هادئين بعيداً عن صخب المدن الكبيرة.
على الرصيف أمام البحيرة تقف الشوكة العملاقة، وهي مجسم لشوكة طعام ضخمة مغروسة في الماء قبالة متحف الأطعمة.
وقفت أصوّرها وأضحك من فكرتها الطريفة، وقد أصبحت رمزاً للمدينة.
وعلى الرصيف نفسه يقف تمثال للممثل الكوميدي الشهير شارلي شابلن الذي عاش سنواته الأخيرة في فيفي.
ثم زرت متحف عالم شابلن، وهو منزله السابق الذي تحوّل إلى متحف يحكي قصة حياته بأسلوب تفاعلي ممتع.
كان المتحف من أمتع ما زرت، ويناسب الكبار والأطفال، وسعر تذكرته نحو ثلاثين دولاراً.
زرت أيضاً متحف الأطعمة المطل على البحيرة، وهو متحف تفاعلي يشرح قصة الطعام وكيف وصل إلينا.
وسرت على رصيف البحيرة الطويل وسط الزهور وأشجار النخيل، وفي يوم السبت رأيت سوقاً شعبياً تُباع فيه المنتجات الطازجة من خضار وفواكه وأجبان محلية.
ومن فيفي قمت برحلة قصيرة على طول البحيرة إلى قلعة شيون القريبة.
وهي قلعة عتيقة من القرون الوسطى تقف على صخرة في الماء قرب الضفة، ويعدّها كثيرون أجمل قلعة في سويسرا.
تجولت بين قاعاتها وأبراجها وزنازينها القديمة، وأطللت من نوافذها على البحيرة والجبال، وكانت من أجمل محطات رحلتي.
زيرمات.. تحت قدم قمة ماترهورن الأسطورية
مدة الإقامة: ثلاثة أيام
من فيفي اتجهت جنوباً إلى زيرمات مع تبديل القطار في مدينة فيسب، واستغرقت الرحلة نحو ساعتين ونصف الساعة.
وزيرمات قرية جبلية فريدة، فهي خالية تماماً من السيارات، ولا تتحرك فيها سوى عربات كهربائية صغيرة وعربات تجرها الخيول.
تقع عند قدم قمة ماترهورن، أشهر قمم سويسرا وأكثرها تميزاً بشكلها الهرمي، وقضيت فيها ثلاثة أيام كانت ختام رحلتي الجبلية بأبهى صورة.
ماترهورن قمة لا تشبه غيرها، فهي هرم صخري حاد يرتفع منفرداً نحو السماء.
استيقظت قبل الفجر في أحد الأيام لأشاهد أشعة الشمس الأولى وهي تلامس قمة ماترهورن وتصبغها بلون ذهبي وردي، وهو مشهد لن أنساه ما حييت.
ركبت قطار غورنرغرات المسنن الذي يصعد إلى ارتفاع يقارب ثلاثة آلاف متر.
ومن المحطة في الأعلى رأيت ماترهورن أمامي مباشرة، وحولها عشرات القمم التي يتجاوز ارتفاعها أربعة آلاف متر، ونهر غورنر الجليدي يتمدد في الأسفل.
كان المنظر بانورامياً مهيباً يحيط بي من كل اتجاه.
صعدت أيضاً إلى محطة جنة ماترهورن الجليدية بالتلفريك، وهي أعلى محطة تلفريك في أوروبا على ارتفاع يقارب ثلاثة آلاف وثمانمئة متر.
هناك كهف جليدي منحوت داخل النهر الجليدي، وتزلج صيفي على الثلج الدائم، ومنصة إطلالة على سلسلة جبال الألب الممتدة عبر الحدود.

وفي يوم آخر مشيت في مسار البحيرات الخمس القريب من زيرمات.
أجمل ما فيه بحيرة ريفلزيه الصغيرة، التي تنعكس عليها قمة ماترهورن انعكاساً مثالياً عند هدوء المياه، فترى القمة مرتين، مرة في السماء ومرة في الماء.
في القرية نفسها سرت بين البيوت الخشبية القديمة ومخازن الحبوب العتيقة المرفوعة على أعمدة حجرية.
وتذوقت طبق الراكليت السويسري، وهو جبن يُذاب ويُسكب على البطاطس، وطبق الفوندو حيث تغمس قطع الخبز في الجبن المذاب الساخن.
كان الجو في زيرمات بارداً حتى في الصيف، خاصة في الصباح الباكر والمساء، فالقرية مرتفعة وقريبة من الثلوج الدائمة.
لوغانو.. لمسة إيطالية في جنوب سويسرا
مدة الإقامة: يومان
كانت آخر محطاتي مدينة لوغانو في أقصى جنوب سويسرا، وقد وصلتها بعد رحلة قطار طويلة تجاوزت أربع ساعات عبر الجبال.
لوغانو تقع في إقليم تيتشينو الناطق بالإيطالية، وهي مختلفة كلياً عن شمال سويسرا، فأجواؤها دافئة وطابعها إيطالي صريح.
قضيت فيها يومين كختام مريح ودافئ لرحلتي.
لوغانو تقع على بحيرة تحمل اسمها، ويمتد على ضفافها رصيف طويل تظلله أشجار النخيل والزهور.
سرت على هذا الرصيف في جو دافئ لطيف، فلوغانو من أكثر مدن سويسرا اعتدالاً ودفئاً على مدار العام.
ودخلت حديقة تشياني المطلة على البحيرة، وهي حديقة واسعة خضراء مثالية للجلوس والاسترخاء.
في قلب المدينة ساحة ريفورما الواسعة، تحيط بها المباني ذات الطراز الإيطالي والمقاهي المفتوحة.
جلست في أحد مقاهيها أتذوق البيتزا الإيطالية الأصيلة، وتناولت بعدها الجيلاتو الذي تشتهر به المدينة، وكانت نكهاته رائعة.
الطابع الإيطالي في لوغانو يظهر في طعامها ومبانيها وإيقاع حياتها الهادئ.
صعدت بالقطار المائل إلى قمة مونتي بريه المطلة على المدينة والبحيرة، وهي من أكثر بقاع سويسرا تعرضاً لأشعة الشمس.
ومن الأعلى رأيت لوغانو تمتد حول بحيرتها الزرقاء وسط الجبال، في منظر يجمع بين زرقة الماء وخضرة التلال.

ركبت قارباً على بحيرة لوغانو إلى قرية مورْكوته الصغيرة على الضفة الجنوبية، وهي قرية خلابة بمنازلها المتدرجة على المنحدر فوق الماء.
ومررت أيضاً بقرية غاندريا القديمة، وهي قرية صيادين عتيقة تتدلى بيوتها فوق البحيرة مباشرة.
ولا أنسى زيارتي لحديقة سويس مينياتور القريبة في بلدة ميليده، وفيها نماذج مصغّرة لأشهر معالم سويسرا كلها مجتمعة في مكان واحد.
كانت تجربة ممتعة للأطفال خاصة، ووجدتها طريقة لطيفة لأرى ملخصاً مصغّراً لكل ما زرته خلال رحلتي.
خلاصة تجربتي ونصائح قبل أن تسافر
بعد ثلاثة أسابيع وعشر مدن، عدت من سويسرا وفي قلبي صور لا تُنسى.
سويسرا بلد يجمع ما لا يجتمع عادةً في مكان واحد، جبال شاهقة، وبحيرات صافية، ومدن نظيفة منظمة، وقرى تبدو وكأنها خرجت من بطاقة بريدية.
زرت سويسرا في فصل الصيف بين يونيو ويوليو، وأراه أفضل وقت للسفر إليها.
في الصيف يكون الجو في المدن دافئاً لطيفاً بين عشرين وثمانٍ وعشرين درجة مئوية، وتكون الجبال والبحيرات والطرق الجبلية مفتوحة بالكامل.
أما إن كنت تفضل الثلوج والتزلج فالشتاء بين ديسمبر ومارس هو موسمك، لكن تذكّر أن الجبال العالية تبقى باردة ومغطاة بالثلج حتى في عز الصيف، فاحمل سترة دائماً.
أهم نصيحة عملية أقدمها لك تخص التنقل.
شبكة القطارات في سويسرا من أفضل شبكات العالم، دقيقة في مواعيدها وتصل إلى كل مدينة وقرية تقريباً.
وأنصحك بشدة باقتناء بطاقة السفر السويسرية، فهي تتيح لك ركوب القطارات والحافلات والقوارب دون حدود طوال مدة صلاحيتها، وتمنحك خصومات كبيرة على القطارات الجبلية، وقد وفّرت لي الكثير من المال والوقت ولولاها لكانت تكلفة التنقل مرهقة.
أما عن التكلفة فأكون صريحاً معك، سويسرا غالية.
الوجبة في مطعم متوسط تتراوح بين خمسة وعشرين وخمسين دولاراً، والإقامة في فندق متوسط بين مئة وخمسين ومئتين وخمسين دولاراً في الليلة، وترتفع أكثر في المدن الجبلية مثل زيرمات وإنترلاكن.
ولتوفير المال نصيحتي أن تشتري بعض وجباتك من متاجر مثل ميغروس وكوب، وأن تختار الإقامة في النُزل أو الشقق الصغيرة، وأن تستفيد من المناظر والحدائق المجانية التي لا تكلف شيئاً.
وإن كنت تسأل، هل سويسرا مناسبة للعائلات؟ فجوابي نعم بكل تأكيد.
هي من أكثر الدول أماناً ونظافةً، والأطفال يجدون فيها متعة لا تنتهي بين القطارات الجبلية والقوارب وحدائق الحيوان ومصانع الشوكولاتة والحدائق المفتوحة.
لم أشعر يوماً بأي قلق على سلامتي أو سلامة من حولي طوال الرحلة.
وفي التسوق، تشتهر سويسرا بساعاتها الفاخرة وشوكولاتتها الأشهر في العالم وسكاكينها المتعددة الاستخدامات وأجبانها.
وأجمل ما تشتريه من سويسرا ذكرى تحملها معك، ولو لوح شوكولاتة أو جرس بقرة صغير تعلّقه في بيتك ليذكّرك بتلك الجبال.
في النهاية، كانت سويسرا أجمل رحلة في حياتي حتى الآن.
إن كنت تفكر في زيارتها فلا تتردد، ووفّر لها ميزانية مناسبة، ورتّب وجهاتك جيداً، واترك لنفسك وقتاً لتستمتع بجمالها على مهل.
وأتمنى أن تكون يومياتي هذه قد رسمت لك صورة واضحة، وأدعوك لمشاهدة الفيديو المرفق لترى بعينيك سحر هذا البلد، ورحلة سعيدة.
انتهت يوميات الرحلة



