استقطب معرض عسل جازان، المقام ضمن فعاليات مهرجان جازان 2026 في ساحة المركز الحضاري بمحافظة العيدابي، أكثر من عشرين ألف زائر وزائرة خلال ستة أيام فقط، في مؤشر واضح على تنامي مكانته بوصفه حدثاً سياحياً واقتصادياً بارزاً على مستوى المنطقة. وشهدت منافذ البيع وأركان العارضين إقبالاً متزايداً من الزوار القادمين من داخل جازان وخارجها، للحصول على منتجات عسل عالية الجودة والاستفادة من العروض المقدمة تحت خيمة العسل، إلى جانب حضور الفعاليات الثقافية المصاحبة والندوات والدورات التدريبية الموجهة للنحالين.
وأوضح المدير التنفيذي للمعرض نائب رئيس الجمعية التعاونية للنحالين بجازان، سليمان الغزواني، أن المعرض نجح في تحقيق أهدافه عبر تسويق منتج العسل الذي تشتهر به المنطقة، والتعريف في الوقت ذاته بالإمكانات السياحية لمحافظة العيدابي وما تتميز به من أودية وغطاء نباتي متنوع وثروات طبيعية جعلتها بيئة مثالية لتربية النحل. وبيّن أن الحدث يسعى إلى إبراز جودة العسل المحلي ومشتقاته، وتعزيز ثقة المجتمع بالمنتج الوطني، وتشجيع النحالين على تطوير إنتاجهم وزيادته من خلال توفير قنوات تسويقية جديدة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في دعم القطاعات الواعدة وتحقيق الاستدامة. ويشارك في المعرض ستون نحالاً يعرضون أكثر من خمسة عشر نوعاً من العسل عالي الجودة، وسط أجواء عائلية وفعاليات متنوعة تناسب مختلف الأعمار، تشمل مسرحاً للأطفال وأنشطة مستوحاة من عالم النحل، إلى جانب جلسات مهيأة للزوار وجوائز وهدايا تعزز تجربة الحضور.
جازان… بيئة طبيعية تصنع الفارق
تُعد منطقة جازان من أبرز المناطق الزراعية في المملكة العربية السعودية، لما تتمتع به من تنوع تضاريسي وغطاء نباتي غني، يمتد من السهول الساحلية إلى المرتفعات الجبلية. وتشير بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى أن جازان تُصنَّف ضمن أهم مناطق إنتاج العسل في المملكة، خصوصاً عسل السدر وعسل الطلح، اللذين يحظيان بسمعة عالية لجودتهما وقيمتهما الغذائية.
وتبرز محافظة العيدابي تحديداً بوصفها بيئة خصبة لتربية النحل، نظراً لانتشار الأودية والأشجار المزهرة على مدار مواسم مختلفة من العام، ما يتيح تنوعاً في مصادر الرحيق، ويمنح العسل المحلي خصائص مميزة من حيث الطعم والكثافة والقيمة الغذائية. هذا التنوع الطبيعي لا يدعم قطاع النحل فحسب، بل يعزز أيضاً فرص السياحة البيئية، إذ يقصد الزوار المنطقة للاستمتاع بالمشاهد الجبلية والأجواء المعتدلة نسبياً في مواسم محددة.
المعارض المتخصصة رافد للسياحة الداخلية
يشكل معرض عسل جازان نموذجاً للفعاليات المتخصصة التي تمزج بين الاقتصاد المحلي والسياحة الداخلية. فالمعارض الزراعية والغذائية باتت تمثل أحد أدوات الترويج للمناطق، من خلال تسليط الضوء على منتجاتها النوعية وربطها بتجربة سياحية متكاملة. وبحسب تقرير صادر عن منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، فإن الفعاليات المحلية والمهرجانات تسهم في تنشيط السياحة الداخلية وتحفيز الإنفاق في المجتمعات المضيفة.
وفي هذا السياق، يعكس الإقبال الذي تجاوز عشرين ألف زائر خلال أيام معدودة قدرة الفعالية على استقطاب جمهور واسع، ما ينعكس بدوره على قطاعات الضيافة والإيواء والمطاعم والخدمات المساندة في المنطقة. ويأتي ذلك متسقاً مع توجهات المملكة نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز السياحة الداخلية، وهو ما أكدته رؤية المملكة 2030 التي تضع تطوير الوجهات السياحية المحلية ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
العسل السعودي… منتج اقتصادي بقيمة مضافة
يحظى قطاع تربية النحل في المملكة باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، من خلال برامج دعم فني وتمويلي تستهدف رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المنتجات. ووفقاً لبيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة، يشهد القطاع نمواً ملحوظاً في أعداد المناحل وكميات الإنتاج، مع توجه متصاعد نحو تطبيق الممارسات الحديثة في تربية النحل والتعبئة والتغليف.
ويكتسب العسل السعودي قيمة اقتصادية مضاعفة، ليس فقط باعتباره منتجاً غذائياً، بل كسلعة تحمل هوية جغرافية مميزة. فربط المنتج بمكان إنتاجه، كما في حالة عسل جازان، يعزز الثقة ويمنح المستهلك تصوراً واضحاً عن مصدره وجودته. كما أن تعدد الأنواع المعروضة في المعرض – والتي تجاوزت خمسة عشر نوعاً – يعكس تنوع البيئات النباتية في المنطقة، ويمنح المستهلك خيارات واسعة تلبي أذواقاً مختلفة.
تمكين النحالين وبناء القدرات
إلى جانب الطابع التسويقي، يؤدي المعرض دوراً تنموياً مهماً من خلال الندوات والدورات التدريبية المقدمة للنحالين. فرفع كفاءة المنتجين يمثل أحد المفاتيح الأساسية لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة. وتُسهم مثل هذه الفعاليات في تبادل الخبرات، والتعريف بأحدث التقنيات في إدارة المناحل، وأساليب الوقاية من الأمراض، وطرق التعبئة الحديثة التي تعزز القدرة التنافسية في الأسواق.
ويأتي ذلك منسجماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تمكين صغار المنتجين وتعزيز مساهمتهم في الاقتصاد الوطني، إلى جانب دعم سلاسل الإمداد المحلية. كما أن وجود جمعية تعاونية فاعلة للنحالين في جازان يعكس توجهاً مؤسسياً لتنظيم القطاع وتحسين مخرجاته، بما يسهم في تحقيق الاستدامة على المدى الطويل.
تجربة عائلية تعزز الوعي المجتمعي
لم يقتصر المعرض على الجانب التجاري، بل حرص على تقديم تجربة متكاملة للأسرة، من خلال تخصيص مسرح للأطفال وتنظيم أنشطة ترفيهية مستوحاة من عالم النحل، إلى جانب توفير أماكن مهيأة للجلوس ومساحات تفاعلية. هذا البعد العائلي يعزز الوعي المجتمعي بأهمية النحل ودوره في التوازن البيئي، ويقرب المفاهيم الزراعية من الأجيال الناشئة بطريقة مبسطة وجاذبة.
كما أن توزيع الجوائز والهدايا يسهم في تحفيز الحضور وإثراء التجربة، ما يجعل المعرض مناسبة سنوية ينتظرها الأهالي والزوار، ويعزز مكانته ضمن أجندة الفعاليات السياحية في المنطقة.
جازان على خارطة الفعاليات النوعية
يعكس النجاح اللافت لمعرض عسل جازان اتجاهاً متصاعداً نحو تنظيم فعاليات نوعية تعكس هوية المنطقة وتبرز ميزاتها التنافسية. فالمزج بين المنتج المحلي والبعد السياحي يخلق قيمة مضافة تتجاوز حدود البيع المباشر، لتشمل الترويج للمكان وتعزيز صورته كوجهة تستحق الزيارة.
وفي ضوء الإقبال الكبير والمشاركة الواسعة للنحالين، يتوقع أن يشهد المعرض في دوراته المقبلة توسعاً أكبر من حيث عدد المشاركين والزوار، بما يعزز مساهمة قطاع العسل في الاقتصاد المحلي، ويرسخ مكانة محافظة العيدابي وجازان عموماً كإحدى أبرز وجهات السياحة الزراعية في المملكة.




