يتربّع مطل الحَرّة على واجهة الفعاليات الشتوية في محافظة شرورة، حيث سجّلت النسخة الثامنة من مهرجان شرورة الشتوي حضورًا جماهيريًا لافتًا تجاوز خمسة آلاف زائر يوميًا، في مؤشر واضح على تنامي جاذبية المهرجانات الموسمية بوصفها رافدًا للسياحة الداخلية ومحركًا للاقتصاد المحلي. وقد عكست الفعاليات تنوّعًا ثريًا يجمع بين أصالة الموروث وتعدد الخيارات الترفيهية والثقافية، ضمن تنظيم تشاركي أشرفت عليه محافظة شرورة وجمعية مناسبات للثقافة والترفيه غير الربحية، وبمساندة جهات حكومية وخاصة.
مهرجان بملامح تراثية وتنظيم تشاركي
منذ انطلاقه، حرص المهرجان على تقديم برنامج متوازن يبرز هوية المنطقة ويستجيب لتطلعات الزوار. وجاءت الخيمة التراثية والشعبية في صدارة المشهد، باعتبارها مساحة حيّة للتعريف بالإرث الثقافي والعادات الأصيلة، وما يتصل بها من حرف وممارسات اجتماعية تعكس تاريخ المكان. هذا التوجه التنظيمي ينسجم مع سياسات دعم الثقافة المجتمعية التي تشهدها مناطق المملكة، ويعزز دور الجمعيات غير الربحية في إدارة الفعاليات النوعية، وفق ما تشير إليه تقارير وزارة الثقافة السعودية حول إشراك القطاع غير الربحي في المشهد الثقافي.
الإبل في قلب المشهد: فعاليات تحيي الموروث
احتلت فعاليات الإبل مساحة واسعة من برنامج المهرجان، بدءًا من سباق الهجن ومزاد الإبل، مرورًا بالمفاريد والحيران، بمشاركة ملاك من مختلف مناطق المملكة والخليج. ويعكس هذا الإقبال مكانة الإبل في الوجدان المحلي، بوصفها عنصرًا ثقافيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد. وتشير بيانات صادرة عن وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى أن الفعاليات المرتبطة بالإبل تسهم في تنشيط سلاسل قيمة تشمل التربية والتجارة والخدمات المصاحبة، ما ينعكس إيجابًا على الدخل المحلي ويخلق فرصًا موسمية.
فعاليات تنافسية وجمهور متنوع
تميّز المهرجان بإضافة أنشطة تنافسية جذبت فئات عمرية مختلفة، مثل رالي السيارات وتحدي الرمال، ومسابقة طرح الحاشي، إلى جانب مسابقات التقاط الأوتاد على الخيل. وقد أسهم هذا التنوع في رفع معدلات البقاء اليومي للزوار داخل موقع الفعالية، وهو مؤشر تستخدمه الجهات المنظمة لقياس الأثر السياحي، وفق ممارسات شائعة في صناعة الفعاليات العالمية كما تذكر تقارير منظمة السياحة العالمية.
السوق الشعبي ودعم الأسر المنتجة
لم يقتصر الحضور على المنافسات، إذ شكّل السوق الشعبي ومعارض دعم الأسر المنتجة محورًا اقتصاديًا مهمًا داخل المهرجان. فقد أتاحت هذه المساحات للمنتجين المحليين عرض منتجاتهم، بما يشمل الصناعات اليدوية والمأكولات التقليدية، في تجربة تسوق تعزز الدخل المباشر وتدعم استدامة المشاريع الصغيرة. ووفقًا لبيانات منشورة على موقع هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فإن دمج الأسر المنتجة في الفعاليات الموسمية يرفع من فرص التسويق المباشر ويعزز استمرارية المشاريع المنزلية.
أنشطة عائلية وبرامج للأطفال
راعت أجندة المهرجان البعد العائلي من خلال مسرح الطفل والأسرة، والألعاب الشعبية، والفعاليات الترفيهية المخصصة للصغار. هذا التوجه ينسجم مع متطلبات السياحة العائلية التي باتت عنصرًا أساسيًا في التخطيط للفعاليات، خاصة في المواسم الشتوية. وتشير تقارير منصة “سكيفت” المتخصصة في صناعة السفر إلى أن الفعاليات العائلية ترفع احتمالات الزيارة المتكررة وتوسّع قاعدة الجمهور.
مغازر الإبل: تنافسية عالية وحضور واسع
تُعد فعالية مغازر الإبل من أبرز محطات المهرجان، نظرًا لما تشهده من تحديات ومشاركة واسعة تجاوزت مئة مشارك ضمن ستة أشواط. ويعكس هذا الحضور كثافة الاهتمام بالفعاليات التنافسية المنظمة، وقدرتها على جذب متابعين متخصصين وزوار عامّين في الوقت ذاته. هذا النموذج من الفعاليات، وفقًا لما تذكره مجلة فوربس في تغطياتها لاقتصاد الفعاليات، يسهم في رفع القيمة الإعلامية للحدث ويعزز فرص الرعاية والاستثمار.
الأثر السياحي والاقتصادي على المنطقة
يأتي نجاح مهرجان شرورة الشتوي في سياق توسّع المهرجانات الإقليمية داخل المملكة، التي باتت تلعب دورًا متزايدًا في تنشيط السياحة الداخلية وتوزيع الحركة السياحية جغرافيًا. ووفقًا لبيانات الهيئة السعودية للسياحة، فإن الفعاليات الموسمية تسهم في زيادة نسب الإشغال الفندقي، وتنشيط قطاعات النقل والتجزئة، وتحفيز الإنفاق المحلي. كما يشكّل الموقع الجغرافي لشرورة عامل جذب إضافيًا لزوار من مناطق مجاورة داخل المملكة والخليج.
التنظيم والحوكمة: شراكات متعددة
برز في النسخة الثامنة نموذج الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية، وهو نموذج يتوافق مع مستهدفات تنويع الاقتصاد ودعم القطاع الثالث. وتشير تقارير صادرة عن البنك الدولي حول اقتصاد الفعاليات إلى أن الحوكمة التشاركية ترفع كفاءة التنظيم وتحدّ من التكاليف التشغيلية، مع تحسين جودة التجربة المقدمة للزوار.
قراءة مستقبلية للفعاليات الشتوية
يعكس الزخم الذي حققه مهرجان شرورة الشتوي قدرة الفعاليات المحلية على التحول إلى منصات جذب سياحي مستدام، إذا ما استمر تطوير المحتوى وتوسيع الشراكات وتعزيز الترويج. وتؤكد تقارير يورو نيوز حول السياحة في الخليج أن المهرجانات الإقليمية باتت عنصرًا رئيسيًا في خارطة السفر الموسمي، لما توفره من تجارب أصيلة مرتبطة بالمكان والهوية.


