زار صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة القصيم، سوق الجردة بمدينة بريدة، مطلعًا على أعمال التطوير والتحسين التي نفذتها أمانة منطقة القصيم، ضمن جهودها المستمرة لرفع جودة المشروعات البلدية والارتقاء بالمواقع التاريخية ذات الأهمية الاقتصادية والسياحية في المنطقة. واستمع سموه إلى شرح موجز حول المشروع الممتد على مساحة تقارب خمسة آلاف ومئة متر مربع، ويضم أربعين محلًا تجاريًا، افتُتحت مرحلته الأولى بعشرين محلًا وساحتي بيع داخليتين، بما يسهم في تنظيم النشاط التجاري وفق رؤية حديثة تحافظ على الطابع المعماري التراثي، مع توفير مرافق خدمية ومساحات مفتوحة تعزز من مكانة السوق كوجهة اقتصادية وسياحية في قلب بريدة. وأشاد سموه بالجهود المبذولة، مؤكدًا أهمية صون الأسواق الشعبية التاريخية باعتبارها جزءًا أصيلًا من هوية المدن، ودورها في تنشيط الحركة الاقتصادية ودعم رواد الأعمال وتعزيز الجذب السياحي. ويُعد سوق الجردة من أقدم أسواق بريدة، ويمثل أحد المعالم التجارية التي ارتبطت بتاريخ المدينة الاقتصادي والاجتماعي عبر عقود، ما يجعل تطويره خطوة مهمة في مسار الحفاظ على الموروث العمراني بروح معاصرة.
سوق الجردة بين التاريخ والتحول الحضري
يحمل سوق الجردة في بريدة قيمة تاريخية تتجاوز كونه مركزًا للبيع والشراء، إذ شكّل عبر عقود نقطة التقاء للتجار والحرفيين والمزارعين، وكان أحد المحاور الاقتصادية التي ساهمت في تشكيل الهوية التجارية للمدينة. وبحسب دراسات منشورة حول الأسواق التقليدية في المملكة، فإن هذه الأسواق لعبت دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد المحلي قبل الطفرة العمرانية الحديثة، وكانت تمثل منصات لتبادل السلع والمنتجات الزراعية والحرفية.
ومع التحولات الحضرية التي شهدتها المدن السعودية خلال العقود الأخيرة، برزت الحاجة إلى إعادة تأهيل هذه الأسواق بما يواكب متطلبات السلامة والتنظيم العصري، دون التفريط في روحها التراثية. ويأتي مشروع تطوير سوق الجردة في هذا السياق، جامعًا بين الحفاظ على الهوية المعمارية التقليدية وتحديث البنية التحتية والخدمات.
القصيم.. موقع استراتيجي في الخريطة السياحية السعودية
تُعد منطقة القصيم من المناطق الحيوية في المملكة العربية السعودية، لما تتمتع به من موقع جغرافي متوسط يربط بين عدة مناطق رئيسية، إضافة إلى كونها مركزًا زراعيًا بارزًا، خاصة في إنتاج التمور. ووفقًا لبيانات الهيئة السعودية للسياحة، شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في عدد الفعاليات والمهرجانات التي تستقطب الزوار من داخل المملكة وخارجها.
وتنسجم مشاريع تطوير المواقع التاريخية في القصيم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تركز على تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي. ووفقًا لبيانات وزارة السياحة السعودية، تسعى المملكة إلى رفع مساهمة السياحة إلى عشرة بالمئة من الناتج المحلي، وهو ما يضع تطوير المواقع التراثية ضمن أولويات الاستثمار الحضري.
إعادة إحياء الأسواق التقليدية.. توجه عالمي
لا يقتصر الاهتمام بإحياء الأسواق الشعبية على المملكة وحدها، بل يُعد توجهًا عالميًا في سياسات التنمية الحضرية. ففي العديد من المدن الأوروبية والآسيوية، أُعيد تأهيل الأسواق التاريخية لتصبح نقاط جذب سياحي وثقافي، تجمع بين التجارة والتجربة التراثية. وذكر موقع يورو نيوز في تقارير سابقة أن الحفاظ على الأسواق التقليدية يعزز من الهوية الثقافية للمدن ويزيد من جاذبيتها للسياح الباحثين عن تجارب أصيلة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع سوق الجردة باعتباره خطوة ضمن رؤية أشمل لتعزيز السياحة الثقافية في بريدة، خاصة أن السوق يقع في وسط المدينة، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا يمكن أن يربط بين الأنشطة التجارية والفعاليات والمهرجانات المحلية.
البعد الاقتصادي للمشروع
يمثل افتتاح المرحلة الأولى من السوق بعشرين محلًا تجاريًا فرصة مباشرة لدعم رواد الأعمال وأصحاب الأنشطة الصغيرة والمتوسطة. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن دعم المشروعات الصغيرة يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي المحلي وخلق فرص عمل مستدامة، وهو ما يتقاطع مع أهداف تطوير السوق.
كما أن تنظيم المساحات الداخلية وتوفير ساحتي بيع يسهم في رفع كفاءة التشغيل وتحسين تجربة الزوار، ما ينعكس إيجابًا على حجم المبيعات والحركة التجارية. ويُتوقع أن يسهم اكتمال المشروع بكامل طاقته الاستيعابية في تعزيز موقع السوق كمركز تجاري تراثي قادر على جذب الزوار والسكان على حد سواء.
العمارة التراثية بروح عصرية
حرصت أمانة منطقة القصيم في تصميم المشروع على محاكاة الطابع المعماري التراثي للمنطقة، وهو عنصر جوهري في نجاح مشاريع إعادة التأهيل. فالعمارة ليست مجرد شكل جمالي، بل أداة لربط الأجيال الحاضرة بالماضي، وتعزيز الانتماء المكاني. وتؤكد دراسات التخطيط العمراني أن الحفاظ على الهوية المعمارية يسهم في رفع القيمة السياحية للموقع ويمنحه طابعًا مميزًا مقارنة بالمراكز التجارية الحديثة ذات الطابع الموحد.
وفي هذا السياق، يعكس سوق الجردة نموذجًا للتوازن بين الأصالة والتحديث، من خلال توفير مرافق خدمية متكاملة ومساحات مفتوحة، مع الحفاظ على الروح التقليدية للسوق الشعبي.
السوق كوجهة اقتصادية وسياحية متكاملة
يتجاوز دور سوق الجردة كونه مركزًا تجاريًا، ليصبح عنصرًا ضمن منظومة أوسع تشمل الفعاليات الثقافية والأنشطة الاجتماعية. فالأسواق التاريخية غالبًا ما تتحول إلى منصات للمعارض الحرفية والمهرجانات الموسمية، ما يعزز من تدفق الزوار ويخلق حراكًا اقتصاديًا مستمرًا.
وبحسب تقارير منظمة السياحة العالمية، فإن السياحة الثقافية تشهد نموًا متسارعًا عالميًا، حيث يبحث الزوار عن تجارب تعكس خصوصية المكان وتاريخه. ويتيح تطوير سوق الجردة لبريدة فرصة للاستفادة من هذا التوجه، عبر تقديم تجربة تجمع بين التسوق والتراث والضيافة المحلية.
رؤية تنموية متكاملة
تعكس زيارة أمير منطقة القصيم للمشروع اهتمام القيادة المحلية بمتابعة المشاريع ميدانيًا، والتأكيد على أهمية تكامل الجهود بين الجهات التنفيذية لتحقيق أهداف التنمية الحضرية. ويأتي هذا المشروع ضمن سلسلة من المبادرات التي تشهدها مدن المملكة لتطوير المراكز التاريخية وتحويلها إلى نقاط جذب اقتصادية وسياحية.
ويمثل سوق الجردة اليوم نموذجًا لتحول نوعي في إدارة المواقع التراثية، حيث لم يعد الحفاظ على المباني التاريخية يقتصر على الترميم الشكلي، بل أصبح جزءًا من استراتيجية تنموية متكاملة تربط بين الاقتصاد والثقافة والسياحة، بما يعزز من حضور بريدة كمدينة تجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر.




