في إطار المشاركة الثقافية لمنطقة الباحة ضمن فعاليات مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، قدّم جناح المنطقة، المشارك في “واحة الأمن”، محتوى ثقافياً ومعرفياً متكاملاً للزوار عبر معرض صور حمل عنوان “هنا الباحة”. وجاء المعرض ليجسّد الموروث التاريخي والحضاري للمنطقة، ويبرز مقوماتها الطبيعية والتنموية بأسلوب بصري تفاعلي يخاطب مختلف فئات الجمهور، ويمنحهم قراءة شاملة لهوية المكان وثرائه.
يعرض “هنا الباحة” مجموعة مختارة من الصور التي توثّق القرى التراثية والأثرية الأبرز في منطقة الباحة، وفي مقدمتها القرى الحجرية القديمة التي تُعد سمة معمارية راسخة في الذاكرة المحلية. ويتصدر المشهد البصري حضور قرية ذي عين، بوصفها نموذجاً فريداً للعمارة الجبلية التقليدية التي اندمجت مع التضاريس الصخرية، وقدّمت عبر قرون طويلة حلولاً إنسانية ذكية للتكيف مع البيئة. كما تضم الصور القلاع والحصون التاريخية التي تعكس المكانة الاستراتيجية للمنطقة عبر العصور، ودورها في طرق التجارة القديمة ومسارات الاستقرار البشري.
ولا يقتصر المعرض على إبراز الإرث المعماري، بل يسلّط الضوء كذلك على المقومات الطبيعية التي تشتهر بها الباحة، بما في ذلك الغابات الكثيفة والمرتفعات ذات المناخ المعتدل، والأودية الزراعية التي أسهمت تاريخياً في ازدهار النشاط الزراعي وإنتاج المحاصيل المحلية. وتبرز في هذا السياق مشاهد غابة رغدان، بما تمثّله من قيمة بيئية وسياحية، إذ تعد من أبرز المتنزهات الطبيعية التي تستقطب الزوار خلال مواسم الصيف، وتمنحهم تجربة ترفيهية قائمة على الطبيعة المفتوحة والمناخ اللطيف.
يأتي هذا العرض البصري ليؤكد تحوّل منطقة الباحة إلى وجهة سياحية متكاملة على مستوى المملكة، تجمع بين الطبيعة الخضراء والتراث المعماري والأنشطة الثقافية. وبحسب بيانات وزارة السياحة السعودية، فإن المناطق الجبلية ذات المناخ المعتدل تشهد نمواً متسارعاً في الطلب السياحي الداخلي، مدفوعة برغبة الزوار في تجارب تجمع بين الاستجمام والمعرفة. ويعكس المعرض هذا التوجه من خلال تقديم صور تحاكي تجربة الزيارة الفعلية، وتدعو الزائر لاكتشاف المنطقة بعيون جديدة.
وفي بعدٍ آخر، لا يغفل “هنا الباحة” الحاضر التنموي الذي تعيشه المنطقة، إذ يتضمن المعرض عرضاً بصرياً لعدد من المشاريع الحديثة في مجالات السياحة والبنية التحتية وجودة الحياة. وتُظهر هذه الصور كيف تسير مشاريع التطوير جنباً إلى جنب مع الحفاظ على الهوية التراثية، في نموذج تنموي متوازن ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. ووفقاً لما ورد في الموقع الرسمي للرؤية، فإن تعزيز الوجهات السياحية الإقليمية يُعد أحد المحاور الأساسية لتنويع الاقتصاد الوطني ودعم المجتمعات المحلية.
ويمثل وجود جناح الباحة في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل قيمة مضافة للتجربة العامة للزوار، إذ يربط بين التراث الثقافي المحلي والفعاليات الوطنية الكبرى التي تحتفي بالهوية السعودية في تنوعها الجغرافي والثقافي. ويُعد المهرجان منصة جامعة تُبرز موروث الإبل من جهة، وتفتح المجال أمام المناطق المختلفة لاستعراض خصوصيتها الثقافية والتنموية من جهة أخرى، ما يعزز مفهوم التكامل بين الثقافة والسياحة والاقتصاد.
من الناحية الاقتصادية، يعكس المعرض الدور المتنامي للسياحة الثقافية والطبيعية في دعم التنمية المحلية. فالترويج للقرى التراثية والغابات والمتنزهات لا يقتصر على جذب الزوار فحسب، بل يسهم في تنشيط قطاعات الإيواء والضيافة والحرف اليدوية والمنتجات الزراعية المحلية. وتشير تقارير منظمة السياحة العالمية إلى أن السياحة القائمة على التراث والطبيعة تُعد من أكثر الأنماط السياحية قدرة على تحقيق عوائد مستدامة للمجتمعات، مع الحفاظ على الموارد الثقافية والبيئية.
ويمنح التنوع البصري الذي يقدمه “هنا الباحة” الزائر تجربةً متكاملة، تجعله يشعر وكأنه يتنقل فعلياً بين أرجاء المنطقة، من قممها الجبلية وقراها الحجرية إلى مشاريعها التنموية الحديثة. وتتحقق هذه التجربة عبر سرد بصري مدروس، يجمع بين الصورة والمعلومة، ويعزز الفهم العميق لعلاقة الإنسان بالمكان، وكيف أسهمت الطبيعة والتاريخ في تشكيل هوية الباحة المعاصرة.
كما يعكس المعرض توجهاً متقدماً في أساليب العرض الثقافي، حيث لم يعد الاكتفاء بالمعلومة النصية كافياً لجذب الجمهور، بل أصبح الاعتماد على الصورة والتفاعل البصري وسيلة فعالة لنقل الرسائل الثقافية والسياحية. ووفقاً لتقارير متخصصة في التسويق السياحي نشرتها مجلة فوربس، فإن المعارض التفاعلية ترفع من معدلات اهتمام الزوار، وتزيد من احتمالية تحويل الاهتمام إلى قرار زيارة فعلي للوجهات المعروضة.
في المحصلة، يقدّم جناح منطقة الباحة في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل نموذجاً متكاملاً لكيفية توظيف الثقافة والتراث والطبيعة في خدمة السياحة والاقتصاد المحلي. ويؤكد معرض “هنا الباحة” أن الاستثمار في الهوية البصرية والسرد الثقافي ليس مجرد نشاط ترويجي، بل أداة استراتيجية لتعريف الجمهور بالفرص السياحية والتنموية، وتعزيز مكانة المنطقة على خريطة السياحة الوطنية.


