في مشهد طبيعي آسِر توشّحت السفوح والمرتفعات الغربية لمحافظة المخواة في منطقة الباحة بالسحب المنخفضة تحت ضوء شمس الغروب، بدا جبل شدا الأسفل كلوحة فنية نابضة بالحياة، يجمع بين البياض الناعم للضباب والألوان الدافئة للسماء، ليمنح الزائر إحساساً فريداً بعظمة الطبيعة وروعتها. وقد وثّقت وكالة الأنباء السعودية هذه الظاهرة الجوية التي تكرّر ظهورها خصوصاً بعد هطول الأمطار، فيما يغلب على أجواء القطاع التهامي للمنطقة نوع من الاعتدال الربيعي يمتد من ما بعد الظهر حتى المساء، وتساهم السحب الرطبة في تعزيز الغطاء النباتي والنباتات المحلية التي تزدهر في تلك المرتفعات مثل البن الشدوي والليمون والتين الشوكي والنباتات الزهرية البرية، مما يجعل المكان مقصدًا لمحبي الطبيعة والمتنزهين خلال عطلات نهاية الأسبوع.
جبال شدا: كنز طبيعي في قلب الباحة
يقع جبل شدا في منطقة الباحة جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وهو جزء من سلسلة جبال تهامة التي تمتد بمحاذاة البحر الأحمر وتشكل امتدادًا طبيعيًا لجبال السروات من الشرق. ويتكون هذا الجبل من جزأين رئيسيين هما “شدا الأعلى” و“شدا الأسفل”، حيث يشكّلان معاً أحد أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة لما يمتازان به من تضاريس صخرية رائعة وطبيعة خضراء خلّابة تجذب الزوار والسياح من داخل المملكة وخارجها.
تبلغ قمم جبل شدا الأعلى أكثر من 2200 متر فوق سطح البحر، بينما يُقدر ارتفاع الجزء الأسفل بما يقارب 1700 متر، ويُعد كلاهما من أبرز السلاسل الجبلية التي تحتضن مروجاً خضراء وأودية وبيئات طبيعية متنوعة. وتظهر في المرتفعات تشكلات صخرية ونقوش تاريخية يعود بعضها إلى آلاف السنين، ما يضيف بُعدًا تاريخيًا وجيولوجيًا فريداً للموقع.
بيئة وتنوّع حيوي فريد
تصنّف منطقة شدا كموقع غني بالتنوّع البيولوجي، إذ تضم غطاءً نباتيًا واسعًا يتضمن أنواعاً عديدة من الأشجار والشجيرات والأعشاب، بالإضافة إلى وجود نباتات نادرة قد لا توجد في أماكن أخرى. وفي المناطق الأعلى من الجبل، تصطف أشجار مثل العرعر والعتم (الزيتون البري) والبُن الذي اشتهر باسم البن الشدوي الذي يحمل تراثاً زراعياً يعود لأجيال من المزارعين في الباحة، ويتميز بمذاقه الخاص وجودته العالية.
ولا يقتصر التنوّع الطبيعي على النباتات فقط، بل يمتد ليشمل حياة فطرية غنية، حيث يشكل جبل شدا ومرتفعاته موطنًا للعديد من الحيوانات البرية والطيور، بما في ذلك أنواع من الثدييات والطيور التي تجذب المهتمين بدراسة الحياة البرية واستكشافها. ويعود بعض الباحثين إلى هذه المنطقة لمراقبة الطيور المهاجرة خلال مواسم هجراتها، مما يجعل المنطقة وجهة مهمة للباحثين وعشّاق الطبيعة ومع من يمارسون السياحة البيئية.
السحب المنخفضة ودورها في البيئة المحلية
السحب المنخفضة التي تكتسي بها سفوح جبل شدا الأسفل في مواسم معينة، مثل موسم الشتاء وما بعد الأمطار، تعد واحدة من الظواهر الطبيعية الساحرة التي تلتقطها عدسات المصورين وتستهوي الزوار. هذه السحب لا تضفي جمالاً بصرياً فحسب، بل تلعب دورًا بيئيًا مهمًا في زيادة مستوى الرطوبة والحفاظ على نضارة الغابات والتربة، مما ينعكس إيجاباً على الزراعة المحلية والحياة النباتية المتنوعة في المنطقة. ومن المعروف أن الأجواء الرطبة والباردة في المرتفعات تسهم في دعم نمو الأشجار المثمرة والمزارع التي يعتمد عليها السكان المحليون.
آثار وتكوينات جيولوجية تعكس تاريخاً طويلاً
يُعد جبل شدا الأسفل بمثابة متحف جيولوجي مفتوح، حيث تكشف الصخور والتكوينات الصخرية على مرّ السنين عن لوحات طبيعية ذات أشكال فريدة تمتد لآلاف السنين. ويظهر في المنطقة العديد من الكهوف والمغارات التي تحمل نقوشاً قديمة ورسومات تعود إلى حضارات سابقة، مما يعزز القيمة التاريخية والسياحية للمكان، ويجعله مجهزاً لدراسة التاريخ الطبيعي والإنساني على حدّ سواء.
هذه العناصر تجتمع لتجعل من جبل شدا الأسفل وجهة سياحية متكاملة تجمع بين المناظر الطبيعية الخلابة، والتنوع البيولوجي، والثراء التاريخي، وهو ما يساهم في تعزيز مكانة منطقة الباحة على خريطة السياحة الداخلية والسياحة البيئية في السعودية.
الباحة: أكثر من مجرد وجهة
تقع منطقة الباحة في جنوب غرب السعودية وتُلقّب باسم “حديقة الحجاز” لما تمتلكه من غابات كثيفة، وبيئات جبلية معتدلة، وأجواء معتدلة مقارنة ببقية مناطق المملكة، وهو ما يجعلها محورًا للزوار الباحثين عن الاسترخاء والراحة في أحضان الطبيعة. وتضم المنطقة أكثر من خمسين غابة ووجهات طبيعية متنوعة، بالإضافة إلى قرى أثرية وأسواق ومهرجانات ثقافية تعكس التراث المحلي العريق.
على مدار السنوات الماضية، عملت الجهات المختصة في السعودية على ترشيح عدد من مواقع الباحة للتركيز على السياحة الطبيعية والتراثية، مع وضع برامج لتطوير البنية التحتية والخدمات السياحية بشكل يواكب الطلب المتزايد من الزوار المحليين والإقليميين، ومن المتوقع أن يرتفع عدد الزوار الدوليين في المواسم القادمة نظرًا لارتفاع الوعي العالمي بجاذبية السياحة البيئية في منطقة الخليج.
تأثير السياحة الطبيعية على الاقتصاد المحلي
تزدهر الاقتصاديات المحلية في المناطق التي تعتمد على السياحة الطبيعية، ولا يشذ جبل شدا وباحة عن هذا الاتجاه. فمع تزايد اهتمام الزوار، تتوسع الفرص الاستثمارية في الضيافة والنقل والخدمات المحلية، مما يدعم دخل الأسر الصغيرة وتوفير فرص عمل جديدة في المجتمعات الجبلية. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن الاستثمار في السياحة البيئية يحقق عوائد ملحوظة للمناطق التي تتمتع بموارد طبيعية غنية، وذلك من خلال تنشيط الأسواق المحلية ورفع الطلب على المنتجات الزراعية التقليدية مثل البن والعسل والأعشاب المحلية.
تجارب الزوار والأنشطة
يحرص الزائرون إلى جبال شدا على تجربة مختلف الأنشطة الطبيعية، بدءاً من التنزّه بين الوديان والغابات والمشي في المسارات الجبلية، إلى زيارة الكهوف التاريخية والتقاط الصور الطبيعية في ساعات الغروب والضباب. كما يستمتع الكثيرون بجلسات الاسترخاء وسط الطبيعة أو القيام برحلات التخييم في الهواء الطلق التي توفر تجربة فريدة تجمع بين الهدوء والطبيعة البكر.




