في محافظة العُلا السعودية، تتقدّم رؤية ثقافية متكاملة نحو تحويل أحد الأودية الصحراوية إلى فضاء فني دائم يُثري المشهد الثقافي والسياحي في المملكة. يُعد مشروع “وادي الفن” محاولة غير مسبوقة لدمج الفن المعاصر مع البيئة الطبيعية، بحيث يتحوّل الوادي إلى متحف فني مفتوح طويل الأمد يستقبل أعمالاً فنية كبيرة تندمج مع التضاريس بدرجة عالية من الحس الجمالي والبيئي، مع الحفاظ على خصوصية المكان وجماله الطبيعي. وقد أُتيحت لمجموعة من المختصين في مجالات الثقافة والفنون والإعلام جولة ميدانية في الموقع للاطلاع على المساحات الطبيعية التي من المتوقع أن تصبح خلال السنوات المقبلة مواقع دائمة لأعمال فنية، ضمن خطة تطوير مرحلية تراعي استدامة المكان والانسجام بين الفن والطبيعة دون التأثير على التكوين الطبيعي للوادي.
رؤية عميقة نحو فن الأرض
مشروع وادي الفن في العُلا، أو ما يُعرف بالإنجليزية باسم Wadi AlFann، يُعد من أهم المبادرات الثقافية التي تقودها الهيئة الملكية لمحافظة العُلا ضمن خطة أوسع تهدف إلى جعل العُلا وجهة عالمية للفنون والتراث والثقافة والطبيعة. بدأ المشروع في عام 2022 كجزء من مخطط “رحلة عبر الزمن” الهادف إلى خلق بيئة تنسجم فيها عناصر الطبيعة مع الإبداع الإنساني، وتقديم تجارب ثقافية معاصرة داخل فضاءات طبيعية مفتوحة.
يمتد وادي الفن على مساحة واسعة تُقدَّر بعشرات الكيلومترات المربعة داخل الصحراء الجبلية بالعُلا، ما يمنحه طابعاً فريداً كوجهة تُتيح للفن أن يتفاعل مع الطبيعة بشكل غير مسبوق. وستُقام الأعمال الفنية بشكل دائم في هذا الفضاء، مستوحاة من تضاريس المنطقة، وتاريخها الجيولوجي والإنساني، في حوار بصري مستمر يعبر عن العلاقة بين الفن والمكان والزمن.
العلا: من إرث تاريخي إلى وجهة فنية عالمية
تقع العُلا في شمال-غرب السعودية، وتُعد واحدة من أقدم المناطق المأهولة في الجزيرة العربية، إذ كانت مركزاً تجارياً هاماً على درب البخور القديم وعاصمة مملكة دادان، وتحتضن موقع الحِجر الأثري المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وهو شاهد على حضارات عريقة امتدت لآلاف السنين. هذا الإرث التاريخي والطبيعي يجعل من العُلا منصة مثالية لاحتضان مشاريع فنية تتجاوز أطر العرض التقليدية وتربط بين التاريخ والعصر الحديث عبر لغة الفن.
في السنوات الأخيرة، تحولّت العُلا إلى محط أنظار السياحة الثقافية والفنية على المستويين الإقليمي والدولي. تسهم الفعاليات الفنية مثل مهرجان فنون العُلا في إبراز هذا الدور، إذ يُقام سنوياً ويستقطب فنانيين عالميين ومؤسسات ثقافية متعددة، معروضاً أعمالاً معاصرة في أحضان الطبيعة الصحراوية الساحرة. في نسخة عام 2026، مثلاً، جمع مهرجان Desert X AlUla 2026 أعمالاً فنية متنوّعة من عشرات الفنانين السعوديين والدوليين، تفاعلت مع المناظر الطبيعية الفريدة بأسلوب يربط بين الإبداع والبيئة الجغرافية والإنسانية للمكان.
أعمال عالمية وفنانين معاصرين
يحتضن وادي الفن أعمالاً لفنانين محليين وعالميين، حيث تستلهم هذه الأعمال عناصر من التراث والثقافة والبيئة، وتُقدّم في سياق يعكس روح المكان. من بين الفنانين الذين طُلب منهم تطوير أعمال خاصة لهذا المشروع فنانون معترف بهم دولياً، منهم الأمريكي James Turrell المعروف بأعمال الضوء والفضاء، التي تتفاعل مع السماء والبيئة الطبيعية في المنطقة بطابع روحاني وتكاملي مع المشهد الصحراوي.
كما يشارك فنانون سعوديون مثل أحمد معتر، الذي وثّق من خلال أعماله التغيرات الاجتماعية والثقافية في السعودية، في مشاريع ضخمة داخل الوادي، من خلال أعمال تدمج الجغرافيا المحلية مع رؤى فنية عالمية.
منجزات ومبادرات ترتبط بالسياحة الثقافية
يرتبط مشروع وادي الفن بسياحة ثقافية أوسع، حيث تساهم الفعاليات الفنية السنوية في جذب الزوّار من مختلف أنحاء العالم، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويُعزّز مكانة العُلا كوجهة سياحية ثقافية متجددة. وتكمن أهمية المشروع في كونه لا يقدّم فناً معاصراً فحسب، بل يجعل من الطبيعة نفسها جزءاً لا يتجزأ من التجربة الفنية، في تلازم بين جمال البيئة وإبداع الفنانين، يخلق نوعاً جديداً من الفنون المعاصرة التي تتجاوب مع المكان وتاريخ المنطقة.
إضافة إلى ذلك، فإن الارتباط بين وادي الفن وفعاليات مثل Desert X ومهرجان فنون العُلا يعزّز من الدور الاقتصادي الذي تلعبه الفنون في جذب السيّاح، إذ يمتد تأثيرها إلى قطاعات الضيافة والنقل والخدمات المحلية، ويُسهم في خلق فرص عمل وبناء قدرات محلية في مجالات الإبداع والثقافة.
تطوير مستدام ورؤية طويلة المدى
يتبع مشروع وادي الفن نهجاً مرحلياً في التنفيذ، حيث تم إعداد برامج تحضيرية تشمل معارض مؤقتة، ومقرات للفنانين، وجولات تعليمية، وورش عمل، إلى حين اكتمال الأعمال الدائمة في مواقعها المخصصة. ويُعد المشروع جزءاً من جهود أوسع ضمن رؤية السعودية 2030 لتعزيز القيمة الثقافية للمملكة وتطوير الإمكانات السياحية عبر الاستثمار في القطاعات الإبداعية والثقافية، بحيث تكون الفنون جزءاً محوريّاً في الاقتصاد وتنمية المجتمعات.




