يتربّع مطل الحَرّة على مشهدٍ ربيعيٍّ نابض بالحياة في محافظة النعيرية، مع انطلاق فعاليات مهرجان ربيع النعيرية 2026م في نسخته الرابعة والعشرين، الذي يستمر لمدة أسبوعين متتاليين، ويشهد مشاركة فاعلة من فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة الشرقية، ممثلاً بمكتب الوزارة في محافظة النعيرية. وتأتي هذه المشاركة ضمن إطار دعم الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الوعي البيئي، وترسيخ مفاهيم الاستدامة، وتكريم المبادرات والممارسات التي تخدم حماية البيئة والتنوع الحيوي وتنمية القطاع الزراعي، حيث أكد مدير فرع الوزارة المهندس فهد الحمزي حرص الوزارة على الحضور الدائم في مثل هذه المحافل المجتمعية ذات البعد التنموي.
ويحمل مهرجان ربيع النعيرية مكانة خاصة ضمن روزنامة الفعاليات الموسمية في المنطقة الشرقية، إذ لم يعد مجرد تظاهرة ترفيهية مرتبطة بفصل الربيع، بل تحوّل إلى منصة متكاملة تجمع بين السياحة البيئية، والتنمية الزراعية، ودعم الاقتصاد المحلي. ويُنظر إلى المهرجان بوصفه قرية زراعية متكاملة، خُصصت لتمكين المزارعين من تسويق منتجاتهم مباشرة للزوار، إلى جانب إتاحة الفرصة للأسر المنتجة لعرض منتجاتها المحلية، في تجربة تعكس التلاحم بين الإنتاج الزراعي والهوية المجتمعية.
ويعكس حضور وزارة البيئة والمياه والزراعة في المهرجان توجهاً مؤسسياً واضحاً نحو ربط العمل البيئي بالفعاليات الجماهيرية، بما يسهم في رفع مستوى الوعي العام بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية. وتندرج هذه المشاركة ضمن سياق أوسع تدعمه مبادرات وطنية كبرى، أبرزها مبادرة السعودية الخضراء، التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وزيادة الغطاء النباتي، وحماية التنوع البيولوجي، وتقليل آثار التغير المناخي، وفق ما أشارت إليه بيانات رسمية صادرة عن وزارة البيئة والمياه والزراعة.
ومن الناحية السياحية، تمثل محافظة النعيرية إحدى الوجهات الصاعدة في سياحة المواسم داخل المملكة، حيث يجذب اعتدال الطقس في فصل الربيع آلاف الزوار من داخل المنطقة الشرقية وخارجها. وتوفر طبيعة المنطقة المفتوحة، وتكوينها الجغرافي المرتبط بمطل الحَرّة، بيئة مثالية لإقامة الفعاليات الخارجية والمعارض المفتوحة، وهو ما أسهم في ترسيخ المهرجان كحدث سنوي ينتظره الزوار والمشاركون على حد سواء.
ويضم مهرجان ربيع النعيرية معرضاً مصاحباً يُعد من أبرز مكوناته، إذ يشتمل على أركان توعوية وإرشادية تستهدف المزارعين والمهتمين بالشأن الزراعي، وتقدم لهم أحدث الإرشادات المتعلقة بأساليب الزراعة المستدامة، وترشيد استخدام المياه، وتحسين جودة الإنتاج. وتأتي هذه الجهود انسجاماً مع التوجهات العالمية التي تؤكد أهمية نقل المعرفة الزراعية للمزارعين، كما ورد في تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
كما يحتضن المهرجان سلسلة من ورش العمل التدريبية التي تمزج بين البعد الاقتصادي والحفاظ على التراث المحلي، من خلال تعليم فن خياطة السدو، وصناعة الأقط والسمن، وصناعة الصابون من شمع العسل، إضافة إلى فنون التزيين باستخدام منتجات النخيل. وتمثل هذه الورش رافداً مهماً لدعم السياحة الثقافية، وتعزيز الصناعات اليدوية بوصفها جزءاً من الاقتصاد الإبداعي، وهو قطاع يحظى باهتمام متزايد في الخطط التنموية للمملكة، بحسب ما أشارت إليه تقارير وزارة الثقافة.
ويُسهم هذا التنوع في الأنشطة في تحويل المهرجان إلى تجربة متكاملة للزائر، تجمع بين الترفيه والمعرفة والتسوق، وتدعم في الوقت ذاته سلاسل الإمداد المحلية. فتمكين الأسر المنتجة من تسويق منتجاتها في بيئة منظمة وآمنة يعزز دخلها، ويشجع على استدامة المشاريع الصغيرة، وهو ما يتقاطع مع أهداف التنمية الاقتصادية التي تركز على تنويع مصادر الدخل، وفق ما تناولته تقارير صادرة عن البنك الدولي حول دور الفعاليات المحلية في دعم الاقتصاد المجتمعي.
ومن منظور الاقتصاد السياحي، يُعد مهرجان ربيع النعيرية نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الفعاليات الموسمية في تنشيط الحركة السياحية الداخلية، وزيادة معدلات الإنفاق في قطاعات الإيواء والنقل والخدمات. وتشير تجارب دولية مماثلة، كما ذكرت شبكة يورو نيوز في تقاريرها عن سياحة المهرجانات، إلى أن هذه الفعاليات تسهم في إطالة مدة إقامة الزائر، وتعزيز الصورة الذهنية الإيجابية للوجهة السياحية.
كما أن الربط بين الزراعة والسياحة، أو ما يُعرف بالسياحة الزراعية، يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المحلي، ويمنح المزارعين قيمة مضافة تتجاوز بيع المنتج الخام. ويبرز مهرجان ربيع النعيرية كأحد الأمثلة المحلية على هذا التوجه، حيث تتحول المزارع والمنتجات الزراعية إلى عناصر جذب سياحي وثقافي في آن واحد.
وفي ظل الاهتمام المتزايد بالسياحة المستدامة عالمياً، ينسجم المهرجان مع هذا التوجه من خلال التركيز على التوعية البيئية، واستخدام العروض المرئية الإرشادية، وتقديم محتوى يعزز احترام الطبيعة والموارد. وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن الفعاليات التي تدمج البعد البيئي ضمن برامجها تحقق قبولاً أوسع لدى الزوار، وتسهم في بناء سياحة مسؤولة على المدى الطويل.
ويعكس استمرار مهرجان ربيع النعيرية على مدى أربعٍ وعشرين نسخة متتالية نجاحاً تنظيمياً وتراكماً خبراتياً، جعله أحد أبرز الفعاليات الموسمية في المنطقة الشرقية. كما يؤكد هذا الاستمرارية قدرة الفعاليات المحلية على التطور، ومواكبة التغيرات في اهتمامات الزوار، مع الحفاظ على الهوية الزراعية والتراثية للمنطقة.




